عبد الرحمن بدوي
25
أرسطو عند العرب
لا يمكن أن يكون كمال حقيقي إلا وهو له في ذاته ، - والكمال الحقيقي هو الكمال الذي يليق به . ويشير بالملائم إلى تأكيد ما ذكره أولا بلفظ المختار لذاته ، وملاءمته أن الأثر الذي ينال منه هو الملائم لكل شئ : طبيعيا كان أو نفسانيا أو عقليا . فكل شئ ينال من فضل وجوده بحسب طاقته ويكون لكل نيل نسبة شبه ما به ابتداء من الوجود وانتهاء إلى أكمل ما يكون في إمكانه أن يقبله من كمالات الوجود حتى يبلغ القدرة والعلم . وهذه أظلال لكمالات ذاته وصفاته [ و ] حتى يبلغ أن [ 139 ب ] ينال بالوجه العقلي حقيقته ، فتلتقش في جوهر القابل الهيئة ، ثم يتفاضل هذا الانتقاش بحسب درجات النائلين . فأعظمهم إدراكا أشبههم به في إدراكه لنفسه . والسبب الذي لأجله وقعت الكثرة في المتكوّنات أن السبب الموجب : منها ما هو الأول بذاته سببه ، ومنها ما ليس هو بذاته سببا له ، بل وبتوسيط . وكأنه يقول : إن الكثرة وقعت لأن الأشياء بعضها منه بلا توسيط ، وبعضها من غيره بلا توسيط وإن كانت ترتقى إليه . قال ثم يقول : فإن هذا الذي وصفناه هو محرك ، ولكن لا يتحرك وهو موجود بالفعل ؛ وما يتحرك عنه موجود بالفعل . ولا يجب أن تلحقه غيرية ، أي اختلاف حال . وذلك لأن اختلافات الأحوال تضطرّ ضرورة ، في تجددها ، إلى حركة مكانية ، وما لا يتحرك الحركة المكانية لا ينتهى إليه اختلاف حال . ثم يقول : وإذا كان يحرّك لأنه بذاته معشوق ، ولأن المتحرك مستعدّ للانفعال الذي تتبعه الحركة ، فيكون قد اجتمع المؤثّر بشروطه والمتأثر بشروطه ، فإذا كان كذلك وجب الفعل والانفعال ضرورة ولو في القوى التي تقارب النطق . فيكون إذن الفعل والانفعال ضرورتين « 1 » ، وتكون ضرورة كريمة لها وجود شريف ، إذ يتعلق به نظام الكل . ولسنا نعنى بهذه الضرورة أنها ضرورة قهر أو ضرورة لا بد منها في شئ ، بل ضرورة بمعنى أنه لا يمكن أن تكون بوجه آخر . وليس معنى هذا الكلام أن السماء حركتها ضرورية بذاتها ، ولا يمكن إلا أن تكون على ما هي عليه ، بل إنما هي ضرورة بالشرط المذكور . وإذا اعتبر كل شئ بذاته غير منسوب إلى جهة نيله من الحق الأول ، فهو غير ضروري الوجود ، بل إمكانى الوجود .
--> ( 1 ) ن : ضرورتان .